«الْعِلْمُ بَابٌ لَا حِجَابٌ»
في الفرقِ بين مَن عَلِمَ فخَشَعَ ومَن حَمَلَ العلمَ فاسْتَكبَر — النصُّ العربيّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَرَفَعَ بِالْعِلْمِ أَقْوَامًا، وَوَضَعَ بِهِ آخَرِينَ حِينَ حَجَبَهُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ.
أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ لَا يُرَدُّ إِلَيْهِ فَهُوَ جَهْلٌ مُزَيَّنٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْرِفَةٍ لَا تُورِثُ أَدَبًا فَهِيَ حِمْلٌ مُتْعِبٌ.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَانَ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَخْشَاهُمْ لَهُ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْقَلْبِ الْخَاشِعِ.
أَمَّا بَعْدُ
فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟»
وَإِنَّ الْجَوَابَ لَمَخْبُوءٌ فِي ثَنَايَا السُّؤَالِ: لَا وَاللَّهِ، مَا يَسْتَوِيَانِ، كَمَا لَا يَسْتَوِي النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَلَا الْحَيُّ وَالْمَيِّتُ، وَلَا الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى.
وَلٰكِنِ اعْلَمْ — رَحِمَكَ اللَّهُ — أَيَّ عِلْمٍ أَرَادَ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا أَطْلَقَ هٰذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَصَفَ عَبْدًا قَانِتًا آنَاءَ اللَّيْلِ، سَاجِدًا وَقَائِمًا، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
فَالْعِلْمُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَخْفِضُ صَاحِبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ عِلْمٌ يَزِيدُ الْعَبْدَ انْكِسَارًا كُلَّمَا ازْدَادَ اطِّلَاعًا، وَيُورِثُهُ خَشْيَةً كُلَّمَا اتَّسَعَ بَابُهُ.
فَلَيْسَ الْعَالِمُ مَنْ كَثُرَ مَحْفُوظُهُ، بَلْ مَنْ خَشِيَ مَعْبُودَهُ. قَالَ تَعَالَى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» — فَجَعَلَ مَدَارَ الْعِلْمِ الْخَشْيَةَ لَا الْعِبَارَةَ، وَالْأَثَرَ فِي الْقَلْبِ لَا الْكَثْرَةَ فِي اللِّسَانِ.
فَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَخْشَ، فَعِلْمُهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ؛ وَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا: يَنُوءُ بِثِقَلِهَا وَلَا يَنْتَفِعُ بِنُورِهَا، فَالْكُتُبُ عَلَى ظَهْرِهِ وَالْجَهْلُ فِي صَدْرِهِ؛ يَحْمِلُ الْعِلْمَ وَلَا يَحْمِلُهُ الْعِلْمُ.
وَهٰهُنَا سِرٌّ دَقِيقٌ: إِنَّ الْعِلْمَ بَابٌ وَحِجَابٌ مَعًا، بِحَسَبِ صَاحِبِهِ.
فَإِنْ وَقَفَ الْعَبْدُ عِنْدَ عِلْمِهِ، وَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ بِهِ، وَنَسَبَهُ إِلَى ذَكَائِهِ وَكَدِّهِ، صَارَ الْعِلْمُ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْلُومِهِ؛ فَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ عَنِ اللَّهِ بُعْدًا، كَمَنْ أَوْقَدَ سِرَاجًا فَأَدَامَ النَّظَرَ إِلَى السِّرَاجِ وَنَسِيَ الطَّرِيقَ.
وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدُ عِلْمَهُ إِلَى مُعَلِّمِهِ الْأَوَّلِ، وَعَبَرَ مِنَ الْأَثَرِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، وَمِنَ الْآيَةِ إِلَى مَنْ تَدُلُّ عَلَيْهِ، صَارَ الْعِلْمُ بَابًا مَفْتُوحًا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ، وَيَزْدَادُ بِهِ قُرْبًا كُلَّمَا ازْدَادَ فَهْمًا.
فَالْعِلْمُ الْوَاحِدُ يَكُونُ لِهٰذَا سُلَّمًا وَلِذٰلِكَ سِجْنًا؛ وَالْفَرْقُ كُلُّهُ فِي وِجْهَةِ الْقَلْبِ.
فَاجْعَلْ — يَا طَالِبَ الْعِلْمِ — مَعْرِفَتَكَ مِيزَانًا لَا زِينَةً: مِيزَانًا تَزِنُ بِهِ نَفْسَكَ فَتَعْرِفُ قَدْرَهَا، لَا زِينَةً تَتَحَلَّى بِهَا بَيْنَ النَّاسِ فَتَنْسَى رَبَّهَا.
فَإِنَّمَا الْعِلْمُ النَّافِعُ مَا غَابَ فِيهِ الْعَالِمُ عَنْ دَعْوَى نَفْسِهِ، وَحَضَرَ فِيهِ الْمَقْصُودُ مِنْ عِلْمِهِ؛ كَالزُّجَاجَةِ الصَّافِيَةِ لَا تُرَى لِذَاتِهَا، بَلْ يُرَى النُّورُ مِنْ خِلَالِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَعْلَمُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ مَنْ قَرَأَ فَخَشَعَ. فَكَمْ مِنْ صَحِيفَةٍ تَحْمِلُ الْحِكْمَةَ وَهِيَ لَا تَعْقِلُهَا، وَكَمْ مِنْ خِزَانَةٍ مَلْأَى بِالْأَسْفَارِ وَهِيَ أَجْهَلُ مَا فِي الْبَيْتِ.
فَلَيْسَ الشَّرَفُ لِلْوِعَاءِ الَّذِي يَحْفَظُ، بَلْ لِلْقَلْبِ الَّذِي يَفْهَمُ وَيَنْحَنِي. فَكُنْ أَنْتَ الْقَارِئَ الْخَاشِعَ لَا الْخِزَانَةَ الْغَافِلَةَ؛ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِمَا تَحْمِلُ، بَلْ بِمَا يَحْمِلُكَ إِلَيْهِ عِلْمُكَ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ خِتَامَ الْآيَةِ: «إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» — فَجَعَلَ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الذِّكْرَى، وَجَعَلَ أَهْلَهُ أُولِي الْأَلْبَابِ: أَصْحَابَ اللُّبِّ الَّذِينَ أَخَذُوا لُبَّ الْعِلْمِ وَتَرَكُوا قِشْرَهُ، فَعَرَفُوا فَعَمِلُوا، وَعَلِمُوا فَخَافُوا، وَازْدَادُوا فَتَوَاضَعُوا.
فَهُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَوُونَ بِغَيْرِهِمْ؛ لَا لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مَحْفُوظًا، بَلْ لِأَنَّهُمْ أَصْدَقُ خَشْيَةً.
فَيَا مَنْ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا أَوْ صَنْعَةً أَوْ مَالًا أَوْ سُلْطَانًا: لَا تَقِفْ عِنْدَ الْعَطِيَّةِ فَتَحْجُبَكَ عَنِ الْمُعْطِي، وَلَا تَنْسِبِ الْفَضْلَ إِلَى نَفْسِكَ فَيَنْقَلِبَ الْفَضْلُ وَبَالًا.
بَلِ امْحُ دَعْوَى نَفْسِكَ تَبْقَ لَكَ النِّعْمَةُ، وَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَى أَهْلِهِ يُبَارَكْ لَكَ فِي الْأَثَرِ؛ فَإِنَّ مَا بُنِيَ بِالسَّبَبِ لَا يَبْقَى إِلَّا بِالْمُسَبِّبِ. وَذٰلِكَ هُوَ الْمَحْوُ: أَنْ تَفْنَى دَعْوَاكَ فَيَبْقَى فَضْلُهُ، وَأَنْ تَغِيبَ أَنْتَ فَيَحْضُرَ هُوَ.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا، وَاجْعَلْ عِلْمَنَا بَابًا إِلَيْكَ لَا حِجَابًا عَنْكَ، وَمِيزَانًا نَزِنُ بِهِ أَنْفُسَنَا لَا زِينَةً نَتَفَاخَرُ بِهَا، وَنُورًا عَلَى نُورٍ نَمْشِي بِهِ إِلَيْكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا — وَمِنْ لِسَانٍ يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.