الْمَحْوِيمُنَاجَاةُ النَّشْأَةِTRARENPDF ↓

مُنَاجَاةُ النَّشْأَةِ

«مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ إِلَى نُورِ الْوُجُودِ»


حمدٌ ومناجاةٌ في نشأتِنا من العدم، وأطوارِ خَلْقِنا من نطفةٍ إلى إنسان. النصُّ العربيّ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجْهِهِ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَنُورِ حِكْمَتِهِ، وَخَفِيِّ تَدْبِيرِهِ، وَبَدِيعِ صُنْعِهِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ نَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَذَكَرَنَا فِي عِلْمِهِ، وَقَدَّرَنَا فِي حِكْمَتِهِ، وَأَخْرَجَنَا مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ إِلَى نُورِ الْوُجُودِ، لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْنَا، وَلَكِنْ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً.

سُبْحَانَ الَّذِي نَظَرَ إِلَى النُّطْفَةِ وَهِيَ مَاءٌ مَهِينٌ، فَجَعَلَ فِيهَا سِرَّ الْحَيَاةِ، وَأَودَعَ فِي قَطْرَةٍ صَغِيرَةٍ خَرَائِطَ الْجَسَدِ، وَمَسَالِكَ الْعَقْلِ، وَمَفَاتِيحَ النُّطْقِ، وَأَسْرَارَ الْبَصَرِ، وَرَعْشَةَ الْقَلْبِ، وَحَنِينَ الرُّوحِ إِلَى رَبِّهَا.

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً، وَالْعَلَقَةَ مُضْغَةً، وَالْمُضْغَةَ عِظَامًا، ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنْشَأَ خَلْقًا آخَرَ؛ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ مِنْ عَلَقَةٍ صَامِتَةٍ لِسَانًا يَذْكُرُهُ، وَمِنْ طِينٍ مُصَوَّرٍ قَلْبًا يَخْشَاهُ، وَمِنْ ضَعْفٍ مُرَكَّبٍ عَقْلًا يَعْرِفُهُ، وَمِنْ صَدْرٍ ضَيِّقٍ بَابًا إِلَى السَّمَاءِ، وَمِنْ دَمْعَةٍ صَغِيرَةٍ بَحْرًا مِنَ الْمُنَاجَاةِ.

إِلَهِي، كُنَّا فِي الْأَرْحَامِ لَا نَعْلَمُ اسْمًا، وَلَا نَمْلِكُ نَفَسًا، وَلَا نَسْتَطِيعُ دَفْعًا وَلَا جَلْبًا؛ فَكُنْتَ أَنْتَ الرَّازِقَ قَبْلَ أَنْ نَطْلُبَ، وَالْحَافِظَ قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ، وَالرَّحِيمَ قَبْلَ أَنْ نَبْكِيَ، وَالْقَرِيبَ قَبْلَ أَنْ نُنَادِيَ.

يَا مَنْ خَلَقَ الْعَيْنَ مِنْ ظُلْمَةٍ ثُمَّ جَعَلَهَا تَرَى النُّورَ، وَخَلَقَ الْأُذُنَ مِنْ صَمْتٍ ثُمَّ جَعَلَهَا تَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَخَلَقَ الْقَلْبَ مِنْ لَحْمٍ ثُمَّ جَعَلَهُ عَرْشًا لِلْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.

يَا مَنْ أَجْرَى الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ بِلَا أَمْرٍ مِنَّا، وَأَنْبَتَ الْعَظْمَ فِي الْخَفَاءِ بِلَا عِلْمٍ مِنَّا، وَرَتَّبَ الْأَعْضَاءَ فِي الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ بِلَا حَوْلٍ مِنَّا وَلَا قُوَّةٍ؛ لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ، وَلَكَ الْحَمْدُ بَعْدَ الرِّضَا.

إِلَهِي، أَيُّ لِسَانٍ يَبْلُغُ ثَنَاءَكَ؟ وَأَيُّ قَلْبٍ يُحِيطُ بِآلَائِكَ؟ وَأَيُّ عَقْلٍ يَزِنُ حِكْمَتَكَ؟ وَأَيُّ مَلَكٍ يُحْصِي عَطَايَاكَ؟ وَأَيُّ نَبِيٍّ، وَهُوَ أَعْرَفُ الْخَلْقِ بِكَ، إِلَّا وَقَدْ قَالَ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.

فَسُبْحَانَكَ، مَا أَعْظَمَكَ حِينَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمَا أَلْطَفَكَ حِينَ تُرَبِّي الْجَنِينَ فِي سِتْرِ الرَّحِمِ، وَمَا أَكْرَمَكَ حِينَ تُعْطِي الْعَبْدَ عَقْلًا ثُمَّ تَهْدِيهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْعَقْلَ مِنْكَ، وَمَا أَرْحَمَكَ حِينَ تُعْطِيهِ قُدْرَةً ثُمَّ تُنْقِذُهُ مِنْ أَنْ يَغْتَرَّ بِهَا.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَحْمَدُكَ حَمْدَ الْمُقِرِّينَ بِالْعَجْزِ عَنْ حَمْدِكَ، وَنُسَبِّحُكَ تَسْبِيحَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ تَسْبِيحَهُ نِعْمَةٌ مِنْكَ، وَنَشْكُرُكَ شُكْرَ مَنْ لَا يَمْلِكُ مِنَ الشُّكْرِ إِلَّا مَا عَلَّمْتَهُ، وَلَا مِنَ الْحَمْدِ إِلَّا مَا أَجْرَيْتَهُ عَلَى لِسَانِهِ.

يَا رَبِّ، مَا كَانَ مِنَّا مِنْ عِلْمٍ فَمِنْكَ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ فَهْمٍ فَبِنُورِكَ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ قُوَّةٍ فَبِحَوْلِكَ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ تَدْبِيرٍ فَبِإِذْنِكَ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ خَيْرٍ فَبِفَضْلِكَ، وَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ سِتْرٍ فَبِرَحْمَتِكَ.

فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ خَلَقْتَنَا بَعْدَ أَنْ لَمْ نَكُنْ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ صَوَّرْتَنَا فَأَحْسَنْتَ صُوَرَنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ رَزَقْتَنَا فِي الْبَطْنِ وَنَحْنُ غَافِلُونَ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا إِلَى الدُّنْيَا وَنَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ سَتَرْتَنَا وَنَحْنُ مُقَصِّرُونَ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى أَنْ دَعَوْتَنَا إِلَيْكَ وَنَحْنُ هَارِبُونَ.

سُبْحَانَكَ يَا مَنْ جَعَلَ مِنَ الْعَلَقَةِ إِنْسَانًا، وَمِنَ الْإِنْسَانِ عَابِدًا، وَمِنَ الْعَابِدِ عَارِفًا، وَمِنَ الْعَارِفِ مُحِبًّا، وَمِنَ الْمُحِبِّ دَمْعَةً تَقُولُ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ.

رَبَّنَا، هَذَا ثَنَاؤُنَا عَلَيْكَ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي حَقِّكَ، ضَعِيفٌ أَمَامَ جَلَالِكَ، مَحْدُودٌ أَمَامَ كَمَالِكَ؛ فَاقْبَلْهُ مِنَّا بِفَضْلِكَ، لَا بِقَدْرِهِ، وَارْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرَحْمَتِكَ، لَا بِاسْتِحْقَاقِنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَقْلَنَا شَاهِدًا لَكَ، وَلِسَانَنَا ذَاكِرًا لَكَ، وَقَلْبَنَا خَاشِعًا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَمَلَنَا خَالِصًا لِوَجْهِكَ، وَقُوَّتَنَا مُعْتَرِفَةً بِحَوْلِكَ، وَنَجَاحَنَا مَرْدُودًا إِلَى فَضْلِكَ، وَكُلَّ مَا نَفْعَلُهُ شَاهِدًا أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَأَعْطَى فَأَغْنَى، وَسَتَرَ فَعَفَا، وَأَلْهَمَ فَأَحْيَا، وَدَعَا فَقَرَّبَ، وَرَزَقَ فَأَكْرَمَ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فِي الْبَدْءِ وَالْمُنْتَهَى، فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ، فِي الْقَلْبِ وَالنَّفَسِ، فِي الدَّمْعَةِ وَالسُّجُودِ، فِي الْعِلْمِ وَالْعَجْزِ، فِي الْقُوَّةِ وَالِافْتِقَارِ.

سُبْحَانَ رَبِّنَا الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، سُبْحَانَ مَنْ لَا يُحَاطُ بِجَلَالِهِ، وَلَا يُدْرَكُ كُنْهُ كَمَالِهِ، وَلَا يَبْلُغُ عَبْدٌ مِدْحَتَهُ، وَلَا يَسْتَوْفِي خَلْقٌ حَمْدَهُ.

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنَّا كُنَّا مِنَ الظَّالِمِينَ.

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ